الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

29

تفسير روح البيان

فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت امامهم وصاحب قربانهم فان بنى ماثان كانت رؤس بني إسرائيل وملوكهم فقال لهم زكريا انا أحق بها عندي خالتها فقالوا لا حتى نقرع عليها فانطلقوا وكانوا سبعة وعشرين إلى نهر قيل هو نهر الأردن فالقوا فيه أقلامهم التي كانوا يكتبون بها الوحي على أن كل من ارتفع قلمه فهو الراجح فالقوا ثلاث مرات ففي كل مرة يرتفع قلم زكريا فوق الماء ورسبت أقلامهم فتكفلها . قال الشيخ في تفسيره وهو معنى قوله فَتَقَبَّلَها رَبُّها الآية كُلَّما اى كل وقت دَخَلَ عَلَيْها اى على مريم زَكَرِيَّا فاعل دخل الْمِحْرابَ اى في المحراب قيل بنى لها محرابا في المسجد اى غرفة تصعد إليها بسلم أو المحراب اشرف المجالس ومقدمها كأنها وضعت في اشرف موضع من بيت المقدس أو كانت مساجدهم تسمى المحاريب - روى - انها لا يدخل عليها الا هو وحده فإذا خرج غلق عليها سبعة أبواب فكلما دخل وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً اى نوعا منه غير معتاد إذ كان ينزل ذلك من الجنة وكان يجد عندها في الصيف فاكهة الشتاء وفي الشتاء فاكهة الصيف ولم ترضع ثديا قط قالَ كأنه قيل فماذا قال زكريا عليه السلام عند مشاهدة هذه الآية فقيل قال يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا اى من اين يجيئ لك هذا الذي لا يشبه أرزاق الدنيا وهو آت في غير حينه والأبواب مغلقة عليك لا سبيل للداخل به إليك قالَتْ مريم وهي صغيرة لا قدرة لها على فهم السؤال ورد الجواب قيل تكلمت وهي صغيرة كما تكلم عيسى وهو في المهد هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فلا تعجب ولا تستبعد إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ ان يرزقه بِغَيْرِ حِسابٍ اى بغير تقدير لكثرته أو بلا محاسبة أو من حيث لا يحتسب وهو تعليل لكونه من عند اللّه اما من تمام كلامها فيكون في محل النصب واما من كلامه عز وجل فهو مستأنف . وفي الآية دليل على جواز الكرامة للأولياء ومن أنكرها جعل هذا إرهاصا وتأسيسا لرسالته عليه السلام . عن النبي صلى اللّه عليه وسلم انه جاع في زمن قحط فاهدت له فاطمة رضى اللّه عنها رغيفين وبضعة لحم اثرته بها فرجع بها إليها وقال ( هلمى يا بنية ) فكشفت عن الطبق فإذا هو مملوء خبزا ولحما فبهتت وعلمت أنها نزلت من عند اللّه فقال لها صلى اللّه عليه وسلم ( أنى لك هذا ) فقالت هو من عند اللّه ان اللّه يرزق من يشاء بغير حساب فقال صلى اللّه عليه وسلم ( الحمد للّه الذي جعلك شبيهة بسيدة بني إسرائيل ) ثم جمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عليا والحسنين رضى اللّه عنهم وجمع أهل بيته عليه فاكلوا وشبعوا وبقي الطعام كما هو فأوسعت فاطمة رضى اللّه عنها على جيرانها . وقد ظهر على السلف رضى اللّه عنهم من الصحابة والتابعين ثم على من بعدهم من الكرامات . قال سهل بن عبد اللّه رضى اللّه عنه أكبر الكرامات ان تبدل خلقا مذموما من اخلاقك . قال الشيخ أبو العباس رحمه اللّه ليس الشأن من تطوى له الأرض فإذا هو بمكة وغيرها من البلدان انما الشأن من تطوى عنه أوصاف نفسه . وقيل لأبي يزيد ان فلانا يمشى على الماء قال الحوت أعجب منه إذ هو شأنه . فقيل له ان فلانا يمشى في الهواء قال الطير أعجب من ذلك إذ هو حاله . قيل له كان فلان يمشى إلى مكة ويرجع من يومه قال إبليس أعجب من ذلك إذ هو حاله تطوى له الأرض كلها في لحظة وهو في لعنة اللّه فالطى الحقيقي ان تطوى مسافة الدنيا عنك حتى ترى الآخرة أقرب إليك منك لان الأرض تطوى لك فإذا